وُلد سليم بن عبد الله سنة 1984 بتونس، في بيتٍ سبقت فيه النغمات الكلمات، حيث لم تكن الموسيقى عنصرًا طارئًا، بل جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية. فوالده، عبد المجيد بن عبد الله، يُعدّ من أبرز عازفي الكمان وعضوًا بارزًا بفرقة الإذاعة والتلفزة التونسية، وكان أوّل من وضع بين يدي ابنه آلة ستتحوّل لاحقًا إلى امتدادٍ لروحه.
لم يكن صوت الكمان غريبًا عن أذنَي سليم، إذ نشأ في محيط موسيقي جعل الفن جزءًا من التكوين الوجداني قبل الأكاديمي. يستعيد تلك البدايات قائلًا:«كبرت في عائلة موسيقية، وكانت الموسيقى بالنسبة لنا عنصرًا أساسيًا وغذاءً روحيًا، ضرورة كالماء والهواء. كنت أستمع إلى والدي يعزف يوميًا، وتأثّرت بتلك الأنغام العذبة والجميلة».
في سنّ الثامنة، التحق سليم بالمعهد الوطني للموسيقى بتونس العاصمة، حيث تلقّى تعليمه الأكاديمي في آلة الكمان وأكمل المرحلة الأولى من دراسته الموسيقية. وبعد تحصّله على شهادة البكالوريا، واصل تكوينه بالمعهد العالي للموسيقى بتونس، حيث درس بين سنتي 2004 و2008، قبل أن يتحصّل سنة 2009 على شهادة الماجستير في الموسيقى والعلوم الموسيقية. وفي السنة نفسها، نجح في مناظرة «الكابيس»، التي خوّلته الالتحاق بوزارة التربية أستاذًا للتربية الموسيقية.
انطلقت مسيرته في التعليم ليقضي 13 سنة أستاذًا ومرشدًا لأجيال من التلاميذ، جامعًا بين البعد التربوي والالتزام الفني. غير أنّ التدريس لم يُبعده عن الخشبة، إذ بدأ منذ سنة 2004 مسيرته الاحترافية كعازف كمان، مشاركًا ضمن الأوركسترا السيمفونية التونسية، وفرقة المعهد الرشيدي، وفرقة الإذاعة الوطنية.
شارك سليم بن عبد الله في عدد من أبرز المهرجانات الدولية والوطنيّة، من بينها مهرجان قرطاج الدولي، ومهرجان الجم الدولي، ومهرجان صفاقس الدولي، إلى جانب العديد من التظاهرات الجهوية، مصاحبًا نخبة من كبار الفنانين التونسيين، على غرار لطفي بوشناق، وزياد غرسة، وأمينة فاخت، وصوفية صادق، ونور الدين الباجي، وعبد الوهاب الحناشي، وغيرهم.
وعن أول صعود له إلى خشبة المسرح، يقول بابتسامة:«عندما صعدت إلى الركح وارتفع الستار، شعرت بإحساس لم أعرفه من قبل. هيبة الأوركسترا، أناقة الجمهور، الأضواء، وعظمة المسرح… في تلك اللحظة أدركت أن الكمان كافأني بكل هذا الشعور الاستثنائي من السعادة».
ورغم سنوات العزف والتدريس، ظلّ سليم ينظر إلى الموسيقى باعتبارها رسالة قبل أن تكون مهنة، معتبرًا إيّاها تربية على الذوق والإصغاء والاحترام، وهو المعنى الذي سعى إلى نقله لتلاميذه باستمرار.
وفي سنة 2022، فتح سليم بن عبد الله فصلًا جديدًا في مسيرته، منتقلاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة دراسته وتطوير مساره الأكاديمي والفني. ويقول في هذا السياق:«جئت إلى أمريكا لتحقيق حلمي، وتطوير نفسي، وإثراء معارفي، والنظر إلى الموسيقى من زوايا جديدة».
بين الجذور التي صاغت البدايات والآفاق التي تفتحها التجربة الجديدة، يواصل سليم بن عبد الله كتابة مسيرته بثبات، حاملاً معه تجربة موسيقية تونسية أصيلة، تنطلق من وترٍ واحد، وتمتدّ لتلامس أجيالًا تتعلّم الإصغاء للحياة بنغمة مختلفة.




